التفويض
ما أخبرني به الحسين بن عبيد الله، عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري رحمه الله، قال: حدثني الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه قال: اختلف أصحابنا في التفويض وغيره، فمضيت إلى أبي طاهر بن بلال في أيام استقامته فعرفته الخلاف، فقال: أخرني فأخرته أياما فعدت إليه فأخرج إلي حديثا باسناده إلى أبي عبد الله عليه السّلام قال: إذا أراد [ الله ] أمرا عرضه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أمير المؤمنين عليه السّلام [ وسائر الأئمة ] واحدا بعد واحد إلى ( أن ) ينتهي إلى صاحب الزمان عليه السّلام ثم يخرج إلى الدنيا، وإذا أراد الملائكة أن يرفعوا إلى الله عز وجل عملاً عرض على صاحب الزمان عليه السّلام، ثم ( يخرج ) على واحد [ بعد ] واحد إلى أن يعرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يعرض على الله عز وجل فما نزل من الله فعلى أيديهم، وما عرج إلى الله فعلى أيديهم، وما استغنوا عن الله عز وجل طرفة عين.
الطوسي، الغيبة، باب: صورة بعض توقيعات الحجة، ص387
بسم الله الرحمن الرحيم وأفضل الصلوات الزاكيات على أبي الزهراء محمّد واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين اما بعد:
هذا التوقيع الشريف يتناول قضيّة مهمّة جداً وهي قضية التفويض لأهل البيت عليهم السّلام ولمعرفة القضيّة يجب علينا أولاً أن نبيّن ما معنى التفويض:
معنى التفويض وباختصار أن الله تعالى فوّض لأهل البيت عليهم السّلام إدارة أمور العالمين بدليل حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رحمه الله، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عبد العزيز، عن ابن أبي يعفور، قال: قال أبو عبد الله عليه السّلام: إن الله واحد، أحد، متوحد بالوحدانية، متفرد بأمره، خلق خلقاً ففوض إليهم أمر دينه، فنحن هم يا ابن أبي يعفور نحن حجّة الله في عباده، وشهداؤه على خلقه، وأمناؤه على وحيه، و خزانه على علمه، ووجهه الذي يؤتي منه وعينه في بريته، ولسانه الناطق، و قلبه الواعي، وبابه الذي يدل عليه، ونحن العاملون بأمره، والداعون إلى سبيله، بنا عرف الله، وبنا عبد الله، نحن الأدلاء على الله، ولولانا ما عبد الله.
الصدوق، التوحيد، بيانه في خلق آدم على صورته، ح9.
والروايات الشريفة تبين حدود التفويض مثلاً:
التفويض لآل محمّد عليهم السّلام بالخلق: قال الإمام السّجاد عليه السّلام لجابر في حديث طويل (( قال: ان تعرف كل من خصه الله بالروح فقد فوض إليه أمره أن يخلق باذنه))
الحسين بن حمدان الخصيبي، الهداية الكبرى، ص 230
والتفويض لهم في إحياء الموتى وإماتة الأحياء:
يقول أمير المؤمنين عليه السّلام في خبر طويل ((يا سلمان ويا جندب، قالا: لبيك يا أمير المؤمنين صلوات الله عليك، قال ( عليه السّلام ): أنا أحيي وأميت باذن ربي))
المجلسي، بحار الأنوار، ج 26، ص6
وفي رواية أخرى: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن مثنى الحناط عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر عليه السّلام فقلت له: أنتم ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم، قلت: رسول الله صلى الله عليه وآله وارث الأنبياء، علم كما علموا؟ قال لي: نعم، قلت: فأنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى وتبرؤا الأكمه والأبرص؟ قال: نعم بإذن الله، ثم قال لي: ادن مني يا أبا محمّد فدنوت منه فمسح على وجهي وعلى عيني فأبصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت وكل شئ في البلد ( 2 ) ثم قال لي: أتحب أن تكون هكذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة أو تعود كما كنت ولك الجنة خالصاً؟ قال: أعود كما كنت، فمسح على عيني فعدت كما كنت، قال: فحدثت ابن أبي عمير بهذا، فقال أشهد أن هذا حق كما أن النهار حق.
الكليني، الكافي، ج 1، ص470.
والتفويض لأهل البيت عليهم السّلام في الرزق:
مثل في وداع أبي عبد الله الحسين عليه السّلام:
((وبكم تنبت الأرض أشجارها، وبكم تخرج الأشجار أثمارها، وبكم تنزل السماء قطرها، وبكم يكشف الله الكرب، وبكم ينزل الله الغيث))
الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص596
حدثنا محمد بن عبد الجبار عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي عن أحمد بن الحسن الميثمي عن صالح عن أبي حمزة قال كنت عند علي بن الحسين وعصافير على الحائط قبالته يصحن فقال يا أبا حمزة أتدري ما يقلن قال يتحدثن أن لهن وقت يسألن فيه قوتهن يا أبا حمزة لا تنامن قبل طلوع الشمس فانى أكرهها لك ان الله يقسم في ذلك الوقت ارزاق العباد وعلى أيدينا يجريها.
السيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج 17، ص61
أيضاً أهل البيت عليهم السّلام التصرف بالدنيا:
محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم الحضرمي عن سماعة بن مهران قال: قال أبو عبد الله عليه السّلام: إن الدنيا لتمثل للإمام في مثل فلقة الجوز، فلا يعزب عنه منها شئ وإنه ليتناولها من أطرافها كما يتناول أحدكم من فوق مائدته ما يشاء.
الشيخ المفيد، الاختصاص، ص217
وهذا غيض من فيض لذلك قال أمير المؤمنين عليه السّلام لجبر في حديث طويل:
يا جابر، قم وادخل البيت. قال: فقمت ودخلت البيت، فلم أجد منه شيئاً. قال: فخرجت إليه فقال لي: يا جابر، ما سترنا عنكم أكثر مما أظهرنا لكم. فقام فأخذ بيدي وأدخلني البيت. ثم قال: وضرب برجله الأرض فإذا شبيه بعنق البعير قد خرجت من ذهب، ثم قال لي: يا جابر، انظر إلى هذا ولا تخبر به أحدا إلا من تثق به من إخوانك. إن الله أقدرنا على ما نريد، ولو شئنا أن نسوق الأرض بأزمتها لسقناها.
الشيخ علي النمازي الشاهرودي، مستدرك سفينة البحار، ج9، ص185 – 186
وهنا سؤال لابد من الإجابة علية مرتبط بأصل البحث وهو:
ماذا نصنع بالروايات التي تدل على بعض ما ينافي هذا المقام في حقهم عليهم السلام من
نفي العلم والقدرة وإظهار العجز والمسكنة وأشباه هذه الروايات:
الجواب: لهذا الإشكال أن أهل البيت عليهم السّلام أخبروا هذه الروايات إظهاراً للذل والعبودية لله لبينوا للناس أن لهم رباً يعبدونه وما هم إلا عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون وهذا الجواب أيضا يطبق على الآيات الواردة بانفراد التصرف بالكون لله تعالى مثل آية 3 من سورة فاطر (( هل من خالق غير الله )) أو آية 40 من سورة الروم ((الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون))، أو آية 3 من سورة الرعد (( أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار)) لإهل البيت عليهم السّلام ماهم إلا حوامل لأفعال الله تعالى ومظاهر لها لا شركاء له ولا مفوضاً لهم باستقلال اضرب لك مثال: أنت إذا قمت بحمل كأس من الماء ووضعته في مكان آخر وأتى سائل وسئل من حرك الكأس سيكون الجواب أنت لكن في الحقيقة الذي حرك الكأس هو يدك لا كل كل جسمك مثال آخر: الحديدة المحماة بالنار إذا لمستها فإنك تقول أحرقتني الحديدة مع أن الإحراق ليس من فعل الحديدة كحديدة وإنما هو من فعل النار وقد نقلت أثرها المحرق للحديدة، فإذا فهمت المثال طبقه على التفويض فالله هو المتفرد بالأفعال لا مشارك له في ملكه وسلطانه لكن أراد الله تعالى منح أهل البيت عليهم السّلام هذا المقام (التفويض دون استقلال) كرامتاً لهم.
خلاصة البحث: أن الله تعالى فوض لأهل البيت عليهم السّلام أمور الخلق لكن دون استقلال فهم فقيرين إليه تعالى وما هم إلا مصادر لأفعال الربوبية لا أرباب عن محمد بن سنان قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السّلام فذكرت اختلاف الشيعة فقال: إن الله لم يزل فرداً متفرداً في وحدانيته، ثم خلق محمداً وعلياً و فاطمة فمكثوا ألف ألف دهر، ثم خلق الأشياء وأشهدهم خلقها وأجرى عليها طاعتهم وجعل فيهم منه ما شاء وفوض أمر الأشياء إليهم فهم قائمون مقامه يحللون ما شاؤوا ويحرمون ما شاؤوا، ولا يفعلون إلا ما شاء الله. فهذه الديانة التي من تقدمها غرق، ومن تأخر عنها محق، خذها يا محمّد فإنها من مخزون العلم ومكنون.
العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 25، ص 2
جعفر بن محمد بن مالك قال: حدثني محمد بن جعفر بن عبد الله عن أبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري قال: وجه قوم من المفوّضة والمقصّرة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمّد عليه السّلام، قال كامل: فقلت في نفسي: أسأله لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي قال: فلما دخلت على سيدي أبي محمّد عليه السّلام نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: ولي الله وحجّته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الاخوان وينهانا عن لبس مثله. فقال: متبسماً: يا كامل وحسر عن ذراعيه: فإذا مسح أسود خشن على جلده، فقال: هذا لله وهذا لكم، فسلمت وجلست إلى باب عليه ستر مرخى، فجاءت الريح فكشفت طرفه فإذا أنا بفتى كأنه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها. فقال: لي يا كامل بن إبراهيم، فاقشعررت من ذلك وألهمت أن قلت: لبيك يا سيدي فقال: جئت إلى ولي الله وحجّته وبابه تسأله هل يدخل الجنة إلا من عرف معرفتك وقال بمقالتك؟ فقلت: إي والله، قال: إذن والله يقل داخلها، والله إنه ليدخلها قوم يقال لهم الحقيّة، قلت: يا سيدي ومن هم؟ قال: قوم من حبهم لعلي يحلفون بحقه ولا يدرون ما حقه وفضله. ثم سكت صلوات الله عليه عني ساعة ثم قال: وجئت تسأله عن مقالة المفوضة، كذبوا، بل قلوبنا أوعية لمشية الله، فإذا شاء شئنا، والله يقول: ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ). ثم رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه، فنظر إلي أبو محمّد عليه السّلام متبسماً فقال: يا كامل ما جلوسك؟ وقد أنبأك بحاجتك الحجّة من بعدي، فقمت وخرجت ولم أعاينه بعد ذلك.
الشيخ الطوسي، الغيبة، ص 246 - 247
نسألكم الدعاء
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.