الواسطة
بسم الله الرحمن الرحيم
وأفضل الصلوات الزاكيات على أبي الزهراء محمّد واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين اما بعد:
أن الله تبارك وتعالى جعل للدنيا نظام معين فجعل لكل شيء مسبب على سبيل المثال تتكون الأمطار نتيجة تبخر مياه المحيطات المتشبعة بالرطوبة فترتفع لأعلى فتلتقي بطبقة هواء باردة نتيجة لأنخفاض الضغط الجوي عند حد معين فتحصل عملية التكاثف وتقوم الرياح بنقلها لنقطة معينة فتهطل الأمطار على تلك المنطقة، هذا النظام جعله الله أيضا في العبادة، بمعنى أن الله تعالى أراد من عباده أن يعبدوه بطريقة معينه وليس وفق اهوائهم، فجعل معرفته مرتبطه بمعرفة أهل البيت عليهم السّلام قال الإمام الصادق عليه السّلام:
حدثنا علي بن محمد القاشاني عن محمد بن عيسى العبيدي يرفعه قال قال أبو عبد الله عليه السّلام : أبى الله ان يجرى الأشياء الا بالأسباب فجعل لكل شئ سبباً وجعل لكل سبب شرحا وجعل لكل شرح مفتاحاً وجعل لكل مفتاح علماً وجعل لكل علم باباً ناطقاً من عرفه عرف الله ومن أنكره أنكر الله ذلك رسول الله ونحن.
محمد بن الحسن بن فروخ ( الصفار )، بصائر الدرجات، ص 26
إذن الله تبارك وتعالى جعل أهل البيت عليهم السّلام سبباً لمعرفته فبينوا الطريقة الصحيحة لعبادته، وهي أن هم عليهم السّلام الوسيلة والواسطة بيننا وبينه، روي عن نبينا الأعظم صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين:
ما رواه جابر بن عبد الله في تفسير قوله تعالى : "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول ما خلق الله نوري ابتدعه من نوره واشتقه من جلال عظمته، فأقبل يطوف بالقدرة حتى وصل إلى جلال العظمة في ثمانين ألف سنة، ثم سجد لله تعظيما ففتق منه نور علي عليه السّلام فكان نوري محيطاً بالعظمة ونور علي محيطاً بالقدرة، ثم خلق العرش واللوح والشمس وضوء النهار ونور الابصار والعقل والمعرفة وأبصار العباد وأسماعهم وقلوبهم من نوري ونوري مشتق من نوره، فنحن الأولون ونحن الآخرون ونحن السابقون ونحن المسبحون ونحن الشافعون ونحن كلمة الله، ونحن خاصة الله، ونحن أحباء الله، ونحن وجه الله، ونحن جنب الله و نحن يمين الله ونحن أمناء الله، ونحن خزنة وحي الله وسدنة غيب الله ونحن معدن التنزيل ومعنى التأويل، وفي أبياتنا هبط جبرئيل، ونحن محال قدس الله ، ونحن مصابيح الحكمة ونحن مفاتيح الرحمة ونحن ينابيع النعمة ونحن شرف الأمة ، ونحن سادة الأئمة ونحن نواميس العصر وأحبار الدهر ونحن سادة العباد ونحن ساسة البلاد ونحن الكفاة والولاة والحماة والسقاة والرعاة وطريق النجاة، ونحن السبيل والسلسبيل، ونحن النهج القويم والطريق المستقيم. من آمن بنا آمن بالله، ومن رد علينا رد على الله، ومن شك فينا شك في الله، ومن عرفنا عرف الله، ومن تولى عنا تولى عن الله، ومن أطاعنا أطاع الله، و نحن الوسيلة إلى الله والوصلة إلى رضوان الله، ولنا العصمة والخلافة والهداية، و فينا النبوة والولاية والإمامة، ونحن معدن الحكمة وباب الرحمة وشجرة العصمة، و نحن كلمة التقوى والمثل الاعلى والحجة العظمى والعروة الوثقى التي من تمسك بها نجا.
ما أخبرني به الحسين بن عبيد الله، عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري رحمه الله، قال: حدثني الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه قال: اختلف أصحابنا في التفويض وغيره، فمضيت إلى أبي طاهر بن بلال في أيام استقامته فعرفته الخلاف، فقال: أخرني فأخرته أياما فعدت إليه فأخرج إلي حديثا باسناده إلى أبي عبد الله عليه السّلام قال: إذا أراد [ الله ] أمرا عرضه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أمير المؤمنين عليه السّلام [ وسائر الأئمة ] واحداً بعد واحد إلى ( أن ) ينتهي إلى صاحب الزمان عليه السّلام ثم يخرج إلى الدنيا، وإذا أراد الملائكة أن يرفعوا إلى الله عز وجل عملاً عرض على صاحب الزمان عليه السّلام، ثم (يخرج) على واحد [ بعد ] واحد إلى أن يعرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يعرض على الله عز وجل فما نزل من الله فعلى أيديهم، وما عرج إلى الله فعلى أيديهم، وما استغنوا عن الله عز وجل طرفة عين
الشيخ الطوسي، الغيبة، ص 387
العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 25 - ص 22 – 23
هذه الروايتين تثبت أنهم الوسيلة إلى الله والحجّة على الخلق وغيره من المقامات الرفيعه وهنا يطرح سؤال لابد من أتطرق إليه وهو، لماذا جعل الله تعالى أهل البيت عليهم السّلام الواسطة بينه وبيننا؟
هذا السّؤال له أكثر من إجابة منها:
1- كرامة لهم: بمعنى أن الله تبارك وتعالى جعل أهل البيت عليهم السّلام الواسطة بيننا وبينه كرامتا لهم لذلك هم المحسودون في آية 54 من سورة النساء ((أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا))
عن أبي الصباح الكناني، قال: قال أبو عبد الله (عليه السّلام): « يا أبا الصباح، نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال، ونحن الراسخون في العلم، ونحن المحسودون الذين قال الله في كتابه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّه مِنْ فَضْلِه )
السّيد هاشم البحراني، البرهان في تفسير القرآن، ج 2 - ص 97
2- الإجابة الثانيه لهذا السؤال هو أن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والرزق والإماتة والإحياء لا شريك له في ملكه ولا منازع في سلطانه، ولكنه تعالى أبى أن يجري أفعاله إلا بأسباب وأياد من خلقه لا حاجة منه تعالى لهم، لكن لكون الخلق قاصرين عن تلقي الفيض الإلهي بغير حجاب وواسطة مثال للتوضيح:
حدثنا محمد بن الحسين عن صفوان بن يحيى عن ذريح المحاربي و أحمد بن محمد عن البرقي عن صفوان عن ذريح قال: سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول إن أبى نعم الأب رحمة الله عليه كان يقول لو أجد ثلاثة رهط استودعهم العلم وهم أهل لذلك لحدثت بما لا يحتاج فيه إلى نظر في حلال ولا حرام وما يكون إلى يوم القيمة ان حديثنا صعب مستصعب لا يؤمن به الا عبد امتحن الله قلبه للأيمان
محمد بن الحسن بن فروخ ( الصفار )، بصائر الدرجات، ص 498
لاحظ الإمام يصرح بأنه لا يجد رهط يستطيعون تحمل علمه فقط فما بالك بتحمل الفيض الإلهي دون حجاب وهذا يجر للإجابة الثالثة لهذا السّؤال وهو أن أهل البيت عليهم السّلام خلقهم الله من نور عظمته لتحمل الفيض الإلهي.
وأيضا هذه الرواية:
روى الشيخ الجليل قطب الدين سعيد بن هبة الله الراوندي في كتاب "نوادر المعجزات " الذي جعله ملحقا بكتاب "الخرائج والجرائح" ومضافا إليه قال: أخبرني جماعة منهم أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن النيسابوري ومحمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه قال: حدثنا أبو محمد أحمد بن محمد المعمري، عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السّلام) قال: "أتى رجل الحسين (عليه السّلام) فقال : حدثني بفضلكم الذي جعله الله لكم، قال: إنك لن تطيق حمله، قال: بلى حدثني يا بن رسول الله فإني أحتمله، فحدثه الحسين بحديث، فما فرغ الحسين (عليه السّلام) من حديثه حتى ابيض رأس الرجل ولحيته وانسي الحديث، فقال الحسين (عليه السّلام) : أدركته رحمة الله حين أنسي الحديث".
الحر العاملي، الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة، ص 43
بعد أن بينا بعض أسباب جعلهم واسطة بيننا وبينهم نشرح آية 4 من سورة القدر ((تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ))
في كتاب الاحتجاج للطبرسي رحمه الله عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث طويل وفيه بعد ان ذكر عليه السّلام الحجج قال السائل: من هؤلاء الحجج؟ قال: هم رسول الله صلى الله عليه وآله ومن حل محله من أصفياء الله الذين قرنهم الله بنفسه ورسوله، وفرض على العباد من طاعتهم مثل الذي فرض عليهم ميثاقا لنفسه، وهم ولاة الامر الذين قال الله فيهم: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وقال فيهم: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) قال السائل: ما ذاك الامر؟ قال عليه السّلام: الذي تنزل به الملائكة في الليلة التي يفرق كل أمر حكيم من رزق و أجل وعمل وحياة وموت وعلم غيب السماوات والأرض، والمعجزات التي لا تنبغي الا لله وأصفيائه والسفرة بينه وبين خلقه وهم وجه الله الذي قال: (فأينما تولوا فثم وجه الله) هم بقية الله يعنى المهدي عليه السّلام الذي يأتي عند انقضاء هذه لنظرة فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ومن آياته الغيبة والاكتتام عند عموم الطغيان وحلول الانتقام، ولو كان هذا الامر الذي عرفتك بيانه للنبي صلى الله عليه وآله دون غيره لكان الخطاب يدل على فعل ماض غير دائم ولا مستقبل ولقال نزلت الملائكة وفرق كل أمر حكيم، ولم يقل: (تنزل الملائكة ويفرق كل أمر حكيم).
الشيخ الحويزي، تفسير نور الثقلين، ج 4 - ص 626
عن أبي عبد الله (عليه السّلام)، قال: « كان علي (عليه السّلام) كثيرا ما يقول: ما اجتمع التيمي والعدوي عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقرأ: ( إِنَّا أَنْزَلْناه فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) * بتخشع وبكاء ، فيقولان: ما أشد رقتك لهذه السورة! فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما رأت عيني ووعى قلبي، ولما يرى قبل هذا من بعدي، فيقولان: وما الذي رأيت وما الذي يرى؟ قال: فيكتب لهما في التراب * ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) *. قال: ثم يقول: هل بقي شيء بعد قوله عز وجل: * ( كُلِّ أَمْرٍ ) *؟ فيقولان: لا، فيقول: هل تعلمان من المنزل إليه بذلك؟ فيقولان: أنت يا رسول الله. فيقول: نعم. فيقول: هل تكون ليلة القدر من بعدي؟ فيقولان: نعم، قال: فيقول: فهل ينزل ذلك الأمر فيها؟ فيقولان: نعم. فيقول: إلى من؟ فيقولان: لا ندري ، فيأخذ برأسي ويقول: إن لم تدريا فادريا ، هو هذا من بعدي، قال: فإن كانا ليعرفان تلك الليلة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) من شدة ما يداخلهما من الرعب.
ختمت بهاتين الروايتين لإلقاء الحجة التامه على الشيعة والمخالفين لمذهب أهل البيت عليهم السلام في هذا الموضوع هذا وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
نسألكم الدعاء
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.